محمد عبد الله دراز

265

دستور الأخلاق في القرآن

جَمِيعاً « 1 » . بل إنّ الأمر ليذهب إلى أبعد من هذا ! ! عمّا قدمت أيدينا فحسب ، بل سوف نسأل أيضا بصورة ما عن تصرفات الآخرين ، فنحن مسؤولون عن انحراف مسلك أقراننا ، حين نتركهم يسيئون دون أن نتدخل بجميع الوسائل المشروعة الّتي نطبقها - لنمنعهم من الإساءة . وشبيه بهذا أنّ العمل الاجتماعي السّلبي ، أو عدم المبالاة - تجرّم بنفس درجة العمل الإيجابي ، فالامتناع هو المشاركة السّلبية في الجريمة . وإنّ القرآن ليحدثنا أنّ شعبا قديما قد تعرض للعنة على ألسنة الأنبياء ، وكان كلّ ذنبه - حتّى يستحق هذه اللّعنة - أنّ المجتمع لم ينكر على بعض أعضائه فعلهم للشر . فقال : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ « 2 » . وبهذا نرى أنّ المسؤولية الفردية ، على هذه الدّرجة من الامتداد تتاخم ، بل وتكاد تندمج في المسؤولية الجماعية ، ولكنها ليست هي على وجه التّحديد ، لأنّ الجماعة هنا ليست سوى جملة من الضّمائر الفردية المعنية ، تعلم القاعدة الأخلاقية ، وتدرك في الوقت نفسه الأعمال الّتي انتهكت بها هذه القاعدة ، فهي تترك المذنبين من أعضائها مطمئنين ، أي أنّها لا تبالي حتّى بأن تتخذ حيالهم موقف اللّوم الصّريح . وبعكس ذلك هؤلاء الّذين يقومون بأقل جهد ، سواء بتذكير المذنب بواجبه ، أو بمقاطعته ، فأولئك سوف ينجون : هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ

--> ( 1 ) المائدة : 32 . ( 2 ) المائدة : 79 .